❗خاص ❗️sadawilaya❗
أ.محمد البحر المحضار ...
هل ينتهي المسار عند حدود التراب، أم إن الجراح إذا نزفت عقيدة صارت هي الخارطة؟
كيف لجسد تُقطع منه هامته أن يظل أطول قامة من قاتليه؟
وكيف لقافلة أُحاطت بالسلاسل والسياط أن تعود محملة بصرخة تزلزل عروش السلاطين إلى الأبد؟
أتُراه سفر أربعين يوما من الوجع، أم أنه البعث الحقيقي لأمة ظنت أن القتل ينهي الرسالات؟
ما الذي أرجعه علي بن الحسين إلى كربلاء في العشرين من صفر؛ أهي رؤوس تُرد إلى أجسادها، أم روح أمة أُعيدت إلى هيكلها بعد أن أوشكت على الهلاك؟
كيف تستطيع زينب، وهي الثكلى المغصوبة، أن تطوي بلاغة الموت بكلمة واحدة لتبني أمبراطورية من الصبر أركانها أصلب من الحديد؟
إن العشرين من صفر ليس مجرد محطة تقويمية في سجل الأيام، بل هو المدار الذي تلتقي فيه النهايات بالبدايات؛ حيث تعود الرؤوس الشريفة المطهره إلى مستقر أجسادها، لا لتدفن في الصمت، بل لتزرع في أرض كربلاء بذور الرفض الخالد.
إنها الملحمة التي قادها الإمام علي بن الحسين زين العابدين، برفقة جبل الصبر العقيلة زينب بنت علي؛ ثنائي العصمة والوعي الذي حول الهزيمة المادية الظاهرية إلى انتصار حضاري وسياسي وعقائدي عابر للأزمنة.
لقد تحركت هذه القافلة من الشام وهي تحمل ثقل الفقد ولوعة الرزية، لكنها كانت تحمل أيضا العهد الالهي الذي لا ينكسر.
ولم تكن عودة السجاد والعقيلة مجرد إيابٍ لغريبين إلى ديار الفاجعة، بل كانت مرساةً ثقيلة أُلقيت في بحر الأمة المتلاطم؛ لترسم خطاً فاصلاً بين زمنين: زمن الاستكانة للخوف، وزمن الثورة بالدمع. لقد حمل علي بن الحسين في عينيه ذبول السبي وجمرة الحزن، لكنه أطلق في أركان الأمة لساناً من نور لا يتقن لغة التنازل، لتصبح كل خطوة في طريق كربلاء صوغاً جديداً للهوية الإسلامية الأصيلة.
حين عادت الرؤوس إلى أجسادها، لم تكن تلك العملية مجرد طقس لجمع المرفوع على أطراف الأسنة، بل كانت إعادة لتشكيل الوعي الأمتي.
لقد حاول النظام الأموي تفتيت الجسد الحسيني ليفكك فكرة الثورة، فجاءت الأربعينية لتلم شمل الفكرة وتعلن أن الرأس والجسد متصلان اتصال المبدأ بالمنهج.
هنا تجلت عبقرية زين العابدين في إدارة الأزمة بعد الفاجعة؛ إذ حول البكاء من حالة انكسار نفسي إلى أداة تعبئة سياسية وتعبئة وجدانية، وحولت زينب خطبها في مجالس الطغاة إلى مناهج تفكيك لشرعية الاستبداد.
إن القراءة التحليلية لمسار الأربعين تكشف لنا عن هندسة دقيقة لبناء خط المقاومة؛ فالسبي الذي أُريد به إذلال آل بيت محمد صار هو الوسيلة الإعلامية الأولى التي فضحت زيف الخلافة المدعاة.
وفي هذا العصر الذي تتكالب فيه قوى الاستكبار العالمي على منطقتنا، ويُمارس فيه البطش والقتل بحق الشعوب المقاومة، تجيء ذكرى الأربعين لتضع المقاومين أمام المرآة ذاتها: إن ثمن العزة مرتفع، لكن ثمن الذلة هو الفناء.
إن حركة الأربعين هي البيئة الروحية والسياسية والمدرسة العرفانية التي يتخرج منها المجاهدون في ثغور المقاومة اليوم؛ حيث يمتزج العشق الروحي بالثبات الميداني، ويتحول السير على الأقدام إلى استعراضٍ إيماني يوجه رسالة حاسمة لكل قوى الاستكبار: إن الأمة التي تجعل من شهادة إمامها عيداً لولادتها الروحية، لا يمكن لسيفٍ أن يكسر إرادتها أو يُطفئ جذوتها.
وفي وسط هذا الهتاف الهادر، يقف الملايين من المشاية الذين يطرقون دروب العشق الهائم نحو كربلاء، يواسون محمدا وآله، وينفضون عن أقدامهم غبار الطرقات ليغسلوا به دروب المجد.
وكم هي اللوعة التي تعتصر قلوبنا نحن الذين حُرمت أجسادنا من السير في ذلك المحشر النوراني! كيف للروح أن تسجن في جغرافية البعيد بينما العقل والوجدان يطوفان حول تلك العتبات المقدسة؟
يا صاحب كربلاء، إن أجسادنا وإن حبستها يد القدر في زوايا البعاد، فإن أرواحنا قد خاضت المخاض معكم، ووطئت الغبار قبل أقدام السائرين.
وما الحرمان إلا جمرةٌ تُذكي في القلوب صدق التوجه، لنكون معك بالإرادة واليقين، وإن حالت بيننا وبين ضريحك المسافات.
إننا، وإن لم تطأ أقدامنا أرض الحائر الحسيني، نخوض المشي بأرواحنا، نلتحم بصفوف الزوار، ونلتمس البركة من أطراف الغبار المتصاعد من أقدام السائرين.
إن حرمان الجسد لا يقطع وصال الروح، بل يزيدها اشتعالا وحسرة وشوقا يمزق الأنسجة.
نناجي الله جل جلاله، ونبتغيه بقلوب أضناها العطش إلى التمسك بأسوار أولئك الأولياء، أن لا يميتنا إلا على العتبات الشريفة، أو في ميادين الشهادة التي خطوها بدمائهم.
إننا لا نبالي أوقع الموت علينا أم وقعنا على الموت، أوردنا الأسنة أم وردت منا المنية؛ فالعقيدة التي أصلتها زينب وأسسها الحسين تعلم الموت كيف يكون حياة سرمدية.
إن البكاء على الحسين ليس استسلاما للفاجعة، بل هو إعلان جاهزية للالتحاق بقافلة الشهداء، وتجديد يومي لبيعة الدم التي لا تسقط بالتقادم.
أما بعد ...
فإن الأربعين ليست ذكراً يُتلى وينقضي، بل هي العهد الذي يُقطع بين الدم وبين السيف، والوثيقة التي كُتبت بدموع زينب وزفرات السجاد لتظل شعلة المقاومة والجهاد متقدة في أرواحنا حتى نلقى الله شهداء على خطى الحسين.
رفعت الجلسة ...